في الذكرى الخامسة ليناير.. مصر تعيش حلقة جديدة من صراع الجيش والإسلاميين

الأحد 24-01-2016 PM 03:23
في الذكرى الخامسة ليناير.. مصر تعيش حلقة جديدة من صراع الجيش والإسلاميين

في 25 يناير، خرج آلاف المصريون أغلبهم من الشباب في تظاهرات غير مسبوقة بميدان التحرير ضد الرئيس محمد حسني مبارك مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

كتب

مع قدوم الذكرى الخامسة للثورة المصرية التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك بعدما قضي 29 عامًا في الحكم، يحكي آلان فيليبس في ذا ناشيونال، وهي صحيفة يومية باللغة الإنجليزية تصدر في أبو ظبي، قصة لانتفاضات سنة 2011 تختلف عن تلك التي وردت في وسائل الإعلام الغربية.

ويبدأ فيليبس بملاحظة أنه في ظل ما يحدث في المنطقة بأسرها، يصعب أن تكون ذكرى انطلاق ما يُسمى بالربيع العربي مناسبة لاحتفالات صاخبة في مصر.

ويوضح الكاتب أنه في الغرب، سارت حكاية الانتفاضات العربية على النحو التالي: بدأت هذه الحركات بـ "ثورة على فيس بوك" قادها خريجو الجامعة الأمريكية في القاهرة، الذين يتحدثون الإنجليزية بطلاقة. ثم تضل الثورة طريقها، وتستمر احتجاجات ميدان التحرير في ظل انتخاب رئيس من جماعة الإخوان المسلمين التي تحاول تعزيز قبضتها على السلطة. وبعد ذلك يعود الجيش إلى صدارة المشهد.

في ليبيا، أدى مقتل العقيد القذافي إلى حرب أهلية بين الميليشيات المتصارعة. وفي سوريا، غرقت الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد في الدماء، مما أدى إلى حرب بالوكالة بين الفصائل المختلفة، مما أسفر عن تقسيم البلاد ونزوح نصف سكانها من منازلهم. وفي العراق، استطاع بضعة آلاف من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الاستيلاء على الموصل وإلحاق الإهانة بالجيش العراقي، وإعلان "خلافة" على مناطق الحدود بين العراق وسوريا، وهو ما جذب أعداد كبيرة من الشباب المسلم الذي يعاني من التشوش.

لكنه وفقًا لرأي الكاتب، ليست هذه هي القصة الحقيقة لانتفاضات سنة 2011 ، بل أنها مجرد صورة في مخيلة المراقبين الغربيين. ويتعين تنحية هذه الصورة جانبًا من أجل الوقوف على حقيقة ما حدث.

ويبدأ فيليبس بالتشكيك في مقولة "ثورة الفيس بوك"، قائلاً إن السلطات المصرية قطعت اتصالات الهواتف المحمولة والإنترنت في محاولة منها لوقف الاحتجاجات، لكن ذلك لم يؤد سوى إلى خروج الناس من بيوتهم وتضخم الأعداد في التحرير.

ويستدرك فليبس قائلاً إنه لا يهدف إلى التقليل من دور وسائل التواصل الاجتماعي كمحفز ووسيط عند تشكيل الحكاية. ويبين أنه وفقًا لجوجل، فإن مجموع دقائق الفيديوهات التي تم تحمليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيما يخص الحرب السورية يفوق المدة الفعلية لهذه الحرب على الأرض. كما أن البراعة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي سمحت لتنظيم داعش بالإيحاء بأن له وجود أكبر من الواقع ومن المنطقة التي يحتلها حقاً ومن حجم أي تأييد يحظى به.

من ناحية أخرى، لا يجب اعتبار الدين القوة الوحيدة، ولا حتى القوة الرئيسية، التي تسببت في انهيار النظم العربية؛ ذلك أن ليبيا، التي ليست لديها أقليات دينية ذات وزن، تفككت إلى إقطاعيات إقليمية بطريقة لا تختلف عما حدث في سوريا، ذات الأقليات الدينية المعتبرة. وفي البلدان المتعددة الطوائف، فإنه عندما يتفكك البلد ويفقد السكان ولائهم للدولة، يتراجعون نحو إعلاء الهوية الدينية، كما حدث بعد انهيار يوغوسلافيا. وتصبح هذه العملية أكثر حدة عندما يتضمن صراع القوى الإقليمية بلدًا مثل إيران، ذات التوجه الطائفي الواضح.

وثالثًا، حسبما يرى الكاتب، تختلف البلدان عن بعضها البعض. فمصر، على سبيل المثال، تُعتبر واحدة من أقدم حضارات العالم، حيث يعود تاريخها إلى عصر الفراعنة. وعلى النقيض من ذلك، تم ترسيم حدود كل من ليبيا وسوريا والعراق حديثًا، بواسطة القوى الاستعمارية. ومن ثم، فإن احتمالات تقسيم مصر تظل ضعيفة للغاية. ويجب أن نرى أحداث السنوات الخمس الماضية في هذا البلد كأحدث حلقة في سلسلة من الصراعات على السلطة بين الجيش والقوى الإسلامية منذ الخمسينيات. وكان الجيش دائمًا هو الطرف الرابح في هذا النزاع.

ويضيف فيليبس أنه بالرغم من هذا الاختلاف، فإن هناك أمرًا واحدًا يوحد بين جميع هذه الدول، هو كيف يمكن أن تصبح البلدان العربية ملكاً لشعوبها بأكملها؟ إن ضمان ولاء الشعب يحتاج إلى توفير فرص العمل والأمن والأمل للجميع، وليس لنخبة ضيقة من المرتبطين بالسلطة.

وتختلف أسباب غياب الولاء للدولة من بلد إلى آخر. فقد كان العراق موحدًا في ظل ديكتاتورية صدام حسين، حيث أدى ارتفاع عائدات النفط إلى تحفيز التقدم التكنولوجي. لكن عُرى الدولة تفككت مع الغزو الأمريكي في 2003 الذي أدى إلى استبدال القومية العراقية بالهويات الطائفية والعرقية.

وفي سوريا، كانت سلالة الأسد تفتقر إلى الموهبة والأفكار. وأدت سنوات من طمع أسرة الرئيس وتفشي المحسوبية عند توزيع مكاسب الليبرالية الاقتصادية إلى إشعال شرارة الاحتجاج.

وفيما يتعلق بليبيا، أصبح واضحًا بعد مقتل القذافي أن الدولة لم يكن لها وجود فيما وراء القائد وأسرته. وبالتالي، ففي ظل غياب قوة خارجية تحافظ على تماسك حلقات السلسلة، قسمت الميليشيات البلد فيما بينها. وفي نهاية المطاف، استطاع خصوم القذافي من الجهاديين القدامى الحصول على ملاذ آمن يرفعون فيه راية الدولة الإسلامية في العراق والشام.

ويقول الكاتب إن هدم دولة أسهل من إعادة بنائها. وإذا كان هدف الدول العربية العمل لمصلحة الشعب بأسره، فإنه يتعين عليها الخروج بأفكار جديدة حول العلاقة بين الدولة والشعب. ربما يكون قد فات أوان إعادة تشكيل الدول المحطمة، لكن تجارب الماضي لا تبشر بالخير فيما يخص الدول التي جرى تقسيمها. فدولة جنوب السودان في حرب مع نفسها. وكوسوفو، التي كانت في يوم ما جزءًا من صربيا، أصبحت بمثابة طفل أوروبا اليتيم المهمَل. أما إريتريا، التي كانت جزءًا من إثيوبيا، فإن سكانها يتمنون اليوم الذي يستطيعون فيه الهرب منها.

ومن وجهة نظر فيليبس، فإن البديل يتمثل في نوع من الهيكل الفيدرالي الذي يعترف بتطلعات الجماعات المختلفة. ويحاول الأمريكيون إعادة العراق ليكون كيانًا موحدًا، مطالبين بـ "فيدرالية فعالة"، تختلف عن الفيدرالية التي تمثل محطة على طريق الانفصال كما هو الحال مع الأكراد.

بل أنه حتى في أنضج الديمقراطيات، فإن الفيدرالية ليست الدواء الناجع الذي يشفي جميع الأمراض، كما رأينا مع مطامح اسكتلندا للاستقلال عن بريطانيا، ومطامح كتالونيا للانفصال عن إسبانيا. هذه هي الأشياء التي تحتاج الدول العربية لأن تحلها مع نفسها.

وفي نهاية مقاله، يقول فيليبس إنه بالنسبة للحالة المصرية، فإن الكاتب الروائي والناشط السياسي علاء الأسواني يعتقد أنه بالرغم من الفشل الواضح لثورة 2011، فإنها سوف تُغير العلاقة بين الدولة والشعب. ويقول الأسواني:"المصريون اليوم ليسوا هم المصريين الذين عاشوا تحت حكم مبارك. لقد تَغير كل شيء. بالرغم من أننا لم نحقق الأهداف السياسية للثورة، إلا أنها مستمرة". وإذا كان هذا هو الحال، فإن الأمر متروك للمصريين كي يقودوا الطريق نحو إعادة تعريف الدولة العربية.

تعليقات الفيسبوك